صديق الحسيني القنوجي البخاري

80

فتح البيان في مقاصد القرآن

في حال من الأحوال إلا في حال عبور السبيل ، والمراد به هنا السفر ، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم . وهذا قول علي وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم قالوا : لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر فإنه يتيمّم ، لأن الماء قد يعدم في السفر لا في الحضر ، فإن الغالب أنه لا يعدم . وقال ابن مسعود وعكرمة ، والنخعي وعمرو بن دينار ومالك والشافعي : « عابر السبيل » هو المجتاز في المسجد وهو مروي عن ابن عباس ، فيكون معنى الآية على هذا لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد في حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب . وفي القول الأول قوة من جهة كون الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي ، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر ، وأن معناه أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم ، فإن هذا الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء كما يكون في المسافر . وفي القول الثاني قوة من جهة عدم التكلف في معنى قوله : إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها . وبالجملة فالحال الأولى أعني قوله : وَأَنْتُمْ سُكارى تقوي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف ؛ وسبب نزول الآية كما سبق يقوّي ذلك ، وقوله إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يقوي تقدير المضاف أي لا تقربوا مواضع الصلاة . ويمكن أن يقال إن بعض قيود النهي أعني لا تقربوا وهو قوله : وَأَنْتُمْ سُكارى يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي ، وبعض قيود النهي وهو قوله : إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يدل على أن المراد مواضع الصلاة ، ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيّد كل واحد منهما بقيد وهما لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب . وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز بتأويل مشهور ، وقال ابن جرير بعد حكايته للقولين : والأولى قول من قال : وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ إلا مجتازي طريق فيه ، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ الآية فكان معلوما بذلك أي أن قوله : وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ لو كان معنيّا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ معنى مفهوم ، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك . فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا